أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

468

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ : « لِمَ » و « لَهُمْ » كلاهما متعلق ب أذنت . وجاز ذلك لأنّ معنى اللامين مختلف ، فالأولى للتعليل ، والثانية للتبليغ ، وحذفت ألف ما الاستفهامية لانجرارها . وتقدم الجارّ الأول واجب لأنه جرّ ما له صدر الكلام . ومتعلق الإذن محذوف ، يجوز أن يكون القعود ، أي : لم أذنت لهم في القعود ، ويدل عليه السّياق من اعتذارهم عن تخلّفهم عنه عليه السّلام . ويجوز أن يكون الخروج ، أي : لم أذنت لهم في الخروج ، لأنّ خروجهم فيه مفسدة من التخذيل وغيره يدل عليه « لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا » . قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ « حَتَّى » يجوز أن تكون للغاية ، ويجوز أن تكون للتعليل ، وعلى كلا التقديرين فهي جارّة : إمّا بمعنى إلى وإمّا اللام ، و « أن » مضمرة بعدها ناصبة للفعل ، وهي متعلقة بمحذوف . قال أبو البقاء : « تقديره : هلّا أخّرتهم إلى أن يتبيّن أو ليتبيّن . وقوله : « لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ » يدلّ على المحذوف ، ولا يجوز أن تتعلّق « حَتَّى » ب « أَذِنْتَ » لأن ذلك يوجب أن يكون أذن لهم إلى هذه الغاية أو لأجل التبيين ، وذلك لا يعاتب عليه » . وقال الحوفي : « حتى غاية لما تضمّنه الاستفهام ، أي : ما كان له أن يأذن لهم حتى يتبيّن له العذر » . قلت : وفي هذه العبارة بعض غضاضة . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 44 إلى 48 ] لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 ) قوله تعالى : أَنْ يُجاهِدُوا : فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلّق الاستئذان ، أي : لا يستأذنونك في الجهاد ، بل يمضون فيه غير مترددين . والثاني : أن متعلق الاستئذان محذوف و « أَنْ يُجاهِدُوا » مفعول من أجله تقديره : لا يستأذنك المؤمنون في الخروج والقعود كراهة أن يجاهدوا بل إذا أمرتهم بشيء بادروا إليه . قوله تعالى : لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً : العامّة على « عُدَّةً » بضم العين وتاء التأنيث وهي الزّاد والراحلة وجميع ما يحتاج إليه المسافر . وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية « عُدَّةً » كذلك إلا أنه جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب تعود على الخروج . واختلف في تخريجها فقيل : أصلها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث ، ولكنهم يحذفونها للإضافة كالتنوين . وجعل الفراء من ذلك قوله تعالى : وَأَقامَ الصَّلاةَ ، * ومنه قول زهير :